الغزالي

58

الأربعين في اصول الدين

المناسبة إلى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، كقولك : إن العسل يضرّ المحرورين وينفع البارد مزاجه . ومنها ما لا يدرك بالقياس ، ويعبّر عنه بالخواص ، وتلك الخواص لم يوقف عليها بالقياس ، بل مبدأ الوقوف عليها وحي أو إلهام ؛ فالمغناطيس يجذب الحديد ، والسقمونيا « 1 » تجذب خلط الصفراء من أعماق العروق ، لا على القياس ، بل بخاصية وقف عليها إما بالإلهام أو بالتجربة . وأكثر الخواص عرفت بالإلهام ، وأكثر التأثيرات في الأدوية وغيرها من قبل الخواص . فلذلك ، فاعلم أن تأثيرات الأعمال في القلب ، تنقسم إلى ما هو يفهم وجه مناسبته ، كعلمك بأن اتباع الشهوة الدنيوية يؤكد علاقته مع هذا العالم ، فيخرج من العالم منكوس الرأس موليا وجهه إلى هذا العالم إذ فيه محبوبه ؛ وكعلمك أن المداومة على ذكر اللّه تعالى تؤكد الأنس باللّه تعالى ، وتوجب الحب حتى تعظم اللذة به عند فراق الدنيا ، والقدوم على اللّه سبحانه . إذ اللذة على قدر الحب ، والحب على قدر المعرفة والذّكر . ومن الأعمال ما يؤثر في الاستعداد لسعادة الآخرة أو لشقاوتها بخاصية ليست على القياس ، لا يوقف عليها إلا بنور النبوة ؛ فإذا رأيت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد عدل عن أحد المباحين إلى الآخر ، وآثره عليه مع قدرته عليهما ، فاعلم أنه اطلع بنور النبوة على خاصية فيه ، وكوشف به من عالم الملكوت ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « يا أيها الناس إن اللّه أمرني أن أعلمكم مما علمني ، وأؤدبكم مما أدبني ، فلا يكثرنّ أحدكم الكلام عند المجامعة ، فإنه يكون منه خرس الولد ، ولا ينظرن أحدكم إلى فرج امرأته إذا هو جامعها ، فإنه يكون منه العمى ، ولا يقبّلنّ أحدكم امرأته إذا هو جامعها فإنه يكون منه صمم الولد ، ولا يديمنّ أحدكم النظر في الماء فإنه يكون منه ذهاب العقل » . وهذا مثال مما ذكرناه وأردنا تنبيهك على اطلاعه على خواص الأشياء ، بالإضافة إلى أمور الدنيا لتقيس به اطلاعه صلى اللّه عليه وسلم على ما يؤثر بالخاصية في السعادة والشقاوة فلا ترضى ، فترضى لنفسك أن تصدق محمد بن زكريا الرازي المتطبب فيما يذكره من خواص الأشياء في الحجامة والأحجار والأدوية ، ولا تصدق سيد البشر محمد بن عبد اللّه الهاشمي المكّي المدنيّ - صلوات اللّه عليه وسلامه - فيما يخبر به عنها ؛ وأنت تعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم مكاشف من العالم الأعلى بجميع

--> ( 1 ) السقمونيا : يبدو أنه تعبير طبي كان شائعا تلك الأيام ، وقد استعمله ابن رشد .